استثمارات سعودية بقيمة 500 مليار دولار لإنتاج الهيدروجين الأخضر.. كيف سيشكل هذا الوقود نقلة في عالم الطاقة؟

[sc name=”ads2″ ]

 

500 مليار دولار هو المبلغ الذي رصدته السعودية لبناء مدينة تشبه تلك التي نشاهدها في أفلام الخيال العلمي، سيطلق عليها اسم “نيوم”.. من المخطط أن تبنى المدينة على حافة الصحراء السعودية بجانب البحر الأحمر، وسينتقل سكانها البالغ عددهم مليون شخص باستخدام سيارات الأجرة الطائرة وسيعتمدون على الروبوتات الذكية لمساعدتهم في جميع أعمالهم المنزلية.. أما منتج الطاقة الذي ستعتمد عليه “نيوم” وتبيعه للعالم فهو ليس النفط، إنما: الهيدروجين الأخضر.

الهيدروجين الأخضر ومدينة “نيوم” المستقبلية

وفقاً لما ورد في شبكة BBC البريطانية، تراهن السعودية على إنتاج وقودٍ مختلف، وهو الهيدروجين الأخضر، الخالي من الكربون والمصنوع من الماء باستعمال الطاقة الكهربية من مصادر متجددة لفصل جزيئات الهيدروجين عن جزيئات الأكسجين.

هذا الصيف، أعلنت شركة ضخمة من شركات الغاز الأمريكية، وهي Air Products & Chemicals، أنها تشارك في نيوم ببناء محطة للهيدروجين الأخضر في السعودية.

ستكون الكهرباء المولدة من مشروعات الرياح والطاقة الشمسية الممتدة في الصحراء الشاسعة مصدر التغذية الأساسي للمحطة.

وتزعم الشركة أن نيوم ستكون أكبر مشروع للهيدروجين الأخضر في العالم، وتعتزم بناء المزيد من محطات الطاقة السعودية.

ما هي خصائص الهيدروجين الأخضر؟

تقول ريتشل فخري، محللة الطاقة بمجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية في نيويورك: “إن الهيدروجين الأخضر واعد جداً”. ويقول الخبراء مثل فخري إن طاقة الرياح والطاقة الشمسية يمكنها أن توفر الكهرباء لإنارة المنازل وتشغيل السيارات الكهربائية، لكن الهيدروجين الأخضر يمكن أن يكون مصدراً مثالياً للطاقة في الصناعات التي تستهلك كميات كبيرة منها، مثل تصنيع الخرسانة والصلب، وأجزاء من قطاع النقل التي يصعب تزويدها بالكهرباء.

وتُكمل فخري: “إن قطاعات مثل الطيران والشحن والتصنيع والنقل بالشاحنات لمسافات طويلة يصعب تزويدها بالطاقة من مصادر نظيفة. لكن الهيدروجين الأخضر يمكن أن يوفر لها الطاقة النظيفة اللازمة”.

لماذا لم نسمع بالوقود الأخضر حتى اليوم؟

تلقى الهيدروجين الأخضر ثناء لعقود كمصدر نظيف للطاقة، لكن التكنولوجيا لم تنطلق قط على نطاقٍ واسع، ولهذا أسبابه وفقاً للمشككين فيه.

فهم يجادلون بأن التبني واسع النطاق لتكنولوجيا الوقود الأخضر تواجهه عقبات ضخمة، أبرزها أن وقود الهيدروجين بحاجة إلى طاقة متجددة ليكون “أخضر”.

وهذا سيتطلب توسعاً ضخماً في توليد الطاقة من المصادر المتجددة لتوفير الطاقة لمحطات التحليل الكهربي التي تفصل الماء إلى هيدروجين وأكسجين. لكن في الوقت الحاضر، تظل الطريقة الأكثر شيوعاً لإنتاج الهيدروجين هي “إعادة تشكيل الغاز الطبيعي”، وكما يُشير الاسم يتطلب ذلك إدخال وقودٍ حفري في صورة الغاز الطبيعي، ويتفاعل مع البخار لإنتاج الهيدروجين وأول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكربون.

ولأن ثاني أكسيد الكربون ينبعث من تصنيع الهيدروجين من غاز الميثان، فالعملية ليست صديقة للبيئة، والهيدروجين المصنع بهذه الطريقة يُعرف بـ”الهيدروجين الرمادي”.

وبغض النظر عن وسيلة الإنتاج، يصعب تخزين الهيدروجين ونقله دون خط أنابيب.

وحالياً في بعض الأماكن، مثل الولايات المتحدة، وقود الهيدروجين تكلفته أعلى بكثير من أنواع الوقود الأخرى مثل الغاز الطبيعي.

iStock الهيدروجين الأخضر

عيوب الهيدروجين الأخضر

يقول مايكل ليبريك، المحلل بخدمة أبحاث تمويل الطاقة التابعة لبلومبرغ في المملكة المتحدة والمشكك في الهيدروجين الأخضر، إن هذا الوقود له مزاياه، لكن “قائمة العيوب التي يظهرها مذهلة بالقدر نفسه”.

كتب ليبريك في المقال الأول من مقالين كتبهما لبلومبرغ: “إن الهيدروجين لا يوجد منفصلاً في الطبيعة، لذا نحتاج إلى الطاقة لفصله. وتخزينه يتطلب ضغطه عند 700 ضعف الضغط الجوي، وتبريده إلى -253 درجة مئوية، وتحمل الوحدة منه ربع طاقة الغاز الطبيعي. يمكن للهيدروجين أن يسبب هشاشة في المعادن، وأن يهرب من أصغر الشقوق والثغرات، كما أنه سريع الانفجار للغاية”.

وبعض مشروعات الهيدروجين الأخضر تتعلم من أخطائها. فقد حصل مشروع للطاقة في أستراليا مؤخراً على تصريح من الجهات التنظيمية البيئية لمخطط ينقل عبر الأنابيب الهيدروجين من موقع بالقرب من بلبارا، غربي أستراليا، إلى سنغافورة.

يتضمن المخطط 1600 من توربينات الرياح و30 ميلاً مربعاً من الألواح الشمسية لتشغيل مصنع للتحليل الكهربي بقوة 23 غيغاوات لصنع الهيدروجين الأخضر.

 لكن المنشأة، التي تُعرف بمركز الطاقة المتجددة الآسيوي، غيرت خطتها بعد إدراك صعوبات تسييل الهيدروجين ونقله لمسافات طويلة، وفقاً لـ ABC News.

وتخطط المنشأة الآن لتصدير الأمونيا، وهو غاز أكثر استقراراً.

ويكتب ليبريك أن الهيدروجين الأخضر، برغم هذه المشاكل، “ما زال يُسيطر على مخيلة المتفائلين بمستقبل التقنية”.

مستقبل الهيدروجين الأخضر لا يزال ضبابياً

بِن غالاغر، محلل للطاقة بشركة Wood McKenzie يدرس الهيدروجين الأخضر، قال إن الوقود جديد لدرجة أن المستقبل لا يزال ضبابياً.

يقول غالاغر: “لا أحد لديه فكرة عما يحدث هنا. ويصعب حالياً أن نرى الهيدروجين الأخضر باعتباره النفط الجديد. لكن يمكنه أن يمثل جزءاً مهماً من مزيج أنواع الوقود بشكل عام”.

لكن بالنسبة لأنصاره، يُعد الهيدروجين الأخضر فكرة مغرية لا يمكن تجاهلها.

فعند تصنيعه باستعمال الطاقة المتجددة، لا ينتج أي انبعاثات من ثاني أكسيد الكربون.

علاوة على ذلك، استعمال الطاقة المتجددة في صنع الوقود يمكن أن يساعد في حل مشكلة عدم انتظام إنتاج الطاقة التي هي من أكبر مشاكل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وكذلك التخزين الفعال.

وحين ينخفض الطلب على الطاقة المتجددة في الربيع والخريف، يمكن استعمال الطاقة الكهربية الزائدة في تزويد عمليات التحليل الكهربي بالطاقة اللازمة لفصل جزيئات الهيدروجين والأكسجين، وحينها يمكن تخزين الهيدروجين أو ضخه عبر الأنابيب.

سباق في أنحاء العالم على الهيدروجين الأخضر

مع ذلك بات ينظر إلى الهيدروجين الأخضر في العديد من دول العالم باعتباره النقلة النوعية التالية في مجال الطاقة.

وفي حين لا تركز الولايات المتحدة على هذا الوقود الجديد، هناك سباق في أنحاء العالم على الهيدروجين الأخضر، وتؤمن العديد من الشركات والمستثمرين والحكومات والمهتمين بالبيئة بأن الهيدروجين الأخضر من مصادر الطاقة التي قد تساعد في إنهاء عصر الوقود الحفري وإبطاء السير نحو الاحتباس الحراري العالمي.

وأوروبا التي يتعثر اقتصادها بسبب ارتفاع أسعار الطاقة واعتماديتها بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي الروسي بدأت تحتضن الهيدروجين الأخضر عبر تمويل بناء محطات التحليل الكهربي والبنية التحتية اللازمة لمشروعات الهيدروجين.

وخصصت ألمانيا أكبر حصة من المبالغ الخاصة بتنشيط قطاع الطاقة النظيفة للهيدروجين الأخضر.

وعلقت المفوضية الأوروبية على استراتيجية الهيدروجين قائلة: “إنها الجزء المفقود من أحجية الاقتصاد منزوع الكربون بالكامل”.

محطات قيد الإنشاء وأخرى تم إنشاؤها بالفعل

بالرغم من تأخر الولايات المتحدة عن مواكبة هذه التقنية الجديدة بسبب توافر مصادر أرخص بكثير مثل  الغاز الطبيعي، فإن العديد من المشاريع الجديدة قيد التنفيذ، من بينها محطة لإنتاج الهيدروجين الأخضر في يوتاه ستحمل محل محطتين قديمتين لتوليد الطاقة بالفحم، وستنتج الكهرباء لجنوب كاليفورنيا ونيفادا، وستُستعمل داخل يوتاه أيضاً.

في اليابان، تم افتتاح محطة جديدة للهيدروجين الأخضر، وهي من أكبر المحطات في العالم، بالقرب من فوكوشيما، وهذا موقع له رمزيته بالنظر إلى قرب الموقع من الكارثة النووية في 2011.

سيتم استعمال المحطة في ملء خلايا الوقود في المركبات وفي مواقع ثابتة.

ومع تعزيز أوروبا من توجهها نحو نزع الكربون، تستثمر القارة في الهيدروجين الأخضر.

أصدر الاتحاد الأوروبي مؤخراً مسودة لاستراتيجية للتوسع في الهيدروجين الأخضر، لكنه لم يتبنّها رسمياً بعد.

لكن خطة الطاقة النظيفة الخاصة بالاتحاد، التي تعتزم فيها استثمار ما يصل إلى 470 مليار يورو (550 مليار دولار) في الوقود، تشمل تمويل محطات جديدة للتحليل الكهربي للهيدروجين الأخضر، وكذلك تكنولوجيا النقل والتخزين.

وكتبت المفوضية الأوروبية: “إن النشر واسع النطاق للهيدروجين النظيف بمعدل سريع مهم للغاية للاتحاد الأوروبي من أجل تحقيق طموحاتنا العالية بخصوص المناخ”.

الهيدروجين الأخضر في الشرق الأوسط

يتجه الشرق الأوسط، الذي يضم حالياً أرخص أسعار طاقة الرياح والطاقة الشمسية، إلى أن يكون من كبار اللاعبين في الهيدروجين الأخضر.

 قال توماس كوك بلانك، قائد برنامج التكنولوجيا المطورة بمعهد روكي ماونتن: “إن الطاقة المتجددة في السعودية منخفضة التكلفة للغاية. فالشمس تشرق كل يومٍ بكل تأكيد، والرياح تهب كل ليلة بكل تأكيد. يصعب التغلب على هذا”.

الهدف: طيران بدون انبعاثات غازية

تذهب تقديرات خدمة أبحاث تمويل الطاقة من بلومبرغ إلى أن الطاقة اللازمة لتوليد ما يكفي من الهيدروجين الأخضر لتلبية ربع احتياجات العالم ستتطلب كهرباء أكثر مما ينتجه العالم الآن من كافة المصادر، واستثماراً يبلغ 11 تريليون دولار في الإنتاج والتخزين.

ولهذا ينصب التركيز الآن على 15% من الاقتصاد لتلبية احتياجات لا تلبيها طاقة الرياح والطاقة الشمسية بسهولة، مثل التصنيع الثقيل والنقل بالشاحنات لمسافات طويلة ووقود سفن الحاويات والطائرات.

وكثافة الطاقة للهيدروجين الأخضر ثلاثة أضعاف كثافتها لوقود النفاثات، ما يجعلها تكنولوجيا صفرية الانبعاثات واعدة لتزويد الطائرات بالوقود.

لكن شركة Airbus، الشركة الأوروبية المصنعة للطائرات، أصدرت بياناً مؤخراً يقول إن العديد من المشاكل الكبرى بحاجة إلى التغلب عليها، ويشمل هذا تخزين الهيدروجين بأمان على الطائرات، وتوفير بنية تحتية للهيدروجين في المطارات، وخفض التكلفة المرتفعة حالياً.

ويقول غلين ليويلين، نائب رئيس شركة Airbus لشؤون الطائرات صفرية الانبعاثات: “إن الشراكات العابرة للمجال وتنافسية التكلفة في قطاع الهيدروجين الأخضر ستكون ضرورية لتحقيق الطيران صفري الانبعاثات الكربونية على أرض الواقع”. وهو متفائل بأن هذا يمكن أن يحدث، ويؤمن أن الطائرات المزودة بوقود الهيدروجين يمكن أن تطير بحلول عام 2035.

وعلى الأرض، يعتبر البعض الهيدروجين الأخضر بديلاً لوقود بعض المركبات البرية.

 في المملكة المتحدة، يتزايد الطلب على القطارات والشاحنات والحافلات ذات الطابقين التي تعمل بوقود الهيدروجين.

 وفي ولاية كاليفورنيا الأمريكية، مررت الولاية معيار الوقود منخفض الكربون في 2009 لتشجيع المركبات الكهربائية والهيدروجينية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، كوّن عدد من المسؤولين في قطاع الطاقة والمركبات الثقيلة اتحاد الهيدروجين في الولايات الغربية، من أجل الضغط في سبيل تسريع تطوير تكنولوجيا خلايا الوقود الهيدروجيني وبنيتها التحتية لتحل محل الشاحنات والحافلات والسيارات والطائرات التي تعمل بوقود الديزل.

وقالت روكسانا بيكيمحمدي، المدير التنفيذي لاتحاد الهيدروجين في الولايات الغربية: “إن خلايا الوقود الهيدروجيني ستغذي مستقبل النقل صفري الانبعاثات في هذه القطاعات الثقيلة التي يصعب تزويدها بالكهرباء. هذه الحقيقة لا شك فيها، وهذا الاتحاد الجديد موجود ليضمن أن الحكومة والصناعة يمكن التعاون بينهما بعالية لتسريع هذه الثورة القادمة”.

وهناك خطط لأنظمة هيدروجين أصغر نطاقاً لتزويد البيوت بالطاقة. في أستراليا، قامت جامعة ساوث ويلز الجديدة، وبالشراكة مع شركة الهندسة العالمي GHD، بصنع نظامٍ منزلي يُدعى LAVO، يستعمل الطاقة الشمسية في توليد وتخزين الهيدروجين الأخضر، ويتم تحويله إلى كهرباء عند الحاجة.

هذه التطورات في مجال الهيدروجين الأخضر، من اليابان إلى الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، هي “أخبار جيدة حقاً”، وفقاً لبلانك من معهد روكي ماونتن. “إن الهيدروجين الأخضر له إمكانات عالية تمكنه من حل العديد من المشاكل التي تؤرقنا، لأن مشكلة التغير المناخي تبدو وكأنها لا حل لها في الأفق”.

تابع الدنمارك بالعربي علىتابع الدنمارك بالعربي على جوجل نيوز

مقالات ذات صلة