السويد

“قوائم الموت”: حقيقة الاعتداءات التي تطال الناشطين العراقيين داخل السويد

خاص / Aktarr .. تسريبات بقوائم أسماء معارضين مطلوبين لحركة عصائب أهل الحق:

الأربعاء، في الثامن عشر من ديسمبر/كانون الأول سنة 2019، نشرت العديد من وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام العربية، وفق ما أفادت مصادر، مجموعة قوائم مسربة، معنونة باسم حركةعصائب أهل الحق/الأمانة العامة، المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي العراقي، صادرة في الثامن من ديسمبر/كانون الأول سنة 2019 ومذيلة بأختام وإمضاء مسؤول مكتبها التنظيمي، ضامة أسماء أكثر من 700 شخص داخل وخارج العراق، بعضهم في السويد، من الناشطين والصحفيين والشخصيات المؤثرة وضباط كبار سابقين في الجيش العراقي، الذين أيدوا التظاهرات ضد الحكومة العراقية وسياساتها وأعلنوا رفضهم لما أسموهالتدخل الإيراني في الشأن العراقي، جاء بنصها:

نظراً لما تتعرض إليه عصائب أهل الحق من هجمة من قبل أجندات خارجية (نؤيد) لكم بأن الأسماء المدرجة أدناه هم من الأشخاص الذين يدعمون التظاهرات مادياً وإعلامياً وفي مختلف المحافظات بالإضافة إلى الأشخاص في خارج العراق ومن مقر إقامتهم المدرجة أدناه ما زاد في حدة الساحة في البلاد لذلك يجب ملاحقتهم وكذلك من هم خارج البلاد في حال تواجدهم داخل العراق“.

أرسلت منها نسختان، حسب ما ورد في الوثيقة، إحداها إلى المكتب العسكري لـالعمل بموجبه“.
وذكرت العربية.نت، استناداً إلى تلك المصادر، أن: “اللوائح تشمل كبار الضباط السابقين في الجيش العراقي، والناشطين المدنيين في الحراك ضد إيران، وكل من ساند الاحتجاجات ولو بحرف واحد، لافتاً إلى أنالسلاح الموصى استخدامه مزود بكاتم للصوت، وأن زعيم العصائب هو من أخذ على عاتقه أمام قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، تصفية المناهضين لنفوذ طهران في العراق“.

رد الحركة على الاتهامات الموجه إليها:

من جانبها، فإن حركة عصائب أهل الحق، كما نقلت العربية.نت: “كذَّبت هذه الوثائق، قائلة إنها مزورة للأسباب التالية: “أولاً: الشعار المستخدم هو قديم، ثانياً: التوقيع لمسؤول المكتب التنظيمي يختلف عن التوقيع في وثيقة أخرى. ثالثاً: نمط وثيقة الأمانة العامة يختلف عن الوثيقة المزورة، والتي هي مشابهة لنمط المكتب التنظيمي، مؤكدة أن: “مكتبها التنظيمي مسؤول عن محاسبة ومعاقبة أعضاءه فقط“.

اتهام أمين الحركة بالتحريض لقتل المتظاهرين وعقوبات أمريكية تشمل أبرز قياداتها:

إلا أن بعض المهتمين بالشأن العراقي ما انفكوا يتداولون مقطع فيديو يعرض خطاباً شهيراً لأمين عام الحركة قيس الخزعلي، يستدلون من خلاله علىتورط الحركة بعمليات اغتيال المتظاهرين والتحريض ضدهم، كونه تنباً صراحة بسقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، حال امتدت المظاهرات إلى بغداد واصطدام المتظاهرين بالأجهزة الأمنية والحشد الشعبي، على حد تعبيرهم. حيث قال الخزعلي فيه نصاً: “هناك تخطيط مخابراتي، تريد منه جهات متعددة الشر لهذا البلد، بأن تستمر هذه الأحداث لإحداث الفوضى في محافظة بغداد. كان التركيز في بدايات أحداث الأول من أكتوبر على بغداد وليس على المحافظات، لأنهم يعلمون علناً، أنه مادامت العاصمة بغداد قوية ومستقرة ووضعها الأمني تحت السيطرة، فإن أحداث المحافظات لن تؤدي إلى تدمير البلد.

أحداث العاشر من ديسمبر يراد منها نقل الفوضى وزعزعة الوضع الأمني إلى داخل بغداد، يراد منها إيقاع القتلى والجرحى بأكبر عدد ممكن، يراد منها حرق مؤسسات الدولة، يراد منها سرقة المصرف المركزي. من الممكن أن مجموعة شباب بنية طيبة تفاعلوا مع هذه الدعوة. نحن نوجه كلامنا لهم، نحن إخوانهم وهم عرفونا وجربونا. كنا قد حذرنا سابقاً من أحداث الشهر العاشر، الآن نحذرهم من هذا الحدث، لأنه خبيث تراد منه فوضى عارمة في بغداد. يحدث فيها أكبر عدد قتلى ممكن وأكبر تدمير ممكن وأكبر عملية نهب ممكنة. لماذا 10/12؟ لأنه يصادف اليوم العالمي لحقوق الإنسان، فهؤلاء يريدون إحداث فوضى أمنية، من أجل إيصال رسالة على مستوى المجتمع الدولي: “أن أنظروا إلى القتلى والجرحى والدمار الذي يقع في البلاد، لتحميل المسؤولية إلى الأجهزة الأمنية والحشد الشعبي“. 

ما جعل الولايات المتحدة الامريكية، في السادس من ديسمبر/كانون الأول سنة 2019، تفرض عقوبات على 4 مسؤولين عراقيين بتهم التورط في قمع المتظاهرين، بينهم قياديا الحركة: قيس الخزعلي وشقيقه ليث الخزعلي، كما شملت مسؤول الأمن في الحشد الشعبي، حسين فالح اللامي.

تعرض الناشطين العراقيين في السويد لاعتداءات على خلفية صدور القوائم بأسمائهم:

عديد الناشطين العراقيين في السويد، ممن أدرجت أسمائهم على قوائم المطلوبين، كشفوا أنهم أمسوا يتعرضون إلى تهديدات متواصلة، ذات نزعة طائفية معلنة، بالقتل والأذى لهم ولعوائلهم أيضاً داخل العراق، بلغت جديتها في بعض الحالات حد الاعتداء الجسدي المفرط والتهديد المسلح والخطف والابتزاز والسرقة واقتحام بيوتهم وأماكن أعمالهم، تزامناً مع نشر ما اصطلح على تسميته إعلامياً (قوائم الموت)، انتقاماً من دعمهم المعلن لمتظاهري العراق، سواء عبر تنظيم حملات جمع تبرعات مالية لهم، أو التظاهر في مدينة ستوكهولم تضامناً مع مطالبهم، وسط حالة عامة من التراخي والإنكار والتجاهل كلياً وبشكل غير مفهوم أو مبرر، في أغلب الأحيان، من كافة أجهزة الأمن ووسائل الإعلام المحلية والسلطات الرسمية السويدية المختصة.

مصلحة الهجرة السويدية تقضي بترحيلهم إلى العراق

الأدهى من كل ذلك، أن مصلحة الهجرة السويدية رفضت أكثر طلبات اللجوء السياسية المقدمة من هؤلاء الناشطين وأصدرت في حقهم قرارات نهائية بالترحيل من البلاد، إما بذريعة أن مدنهم آمنة، أو أنها لم تجد في قضاياهم خطراً مباشراً يتهدد حياتهم، غاضة البصر عن احتمالية أن هكذا قرارات، في حال ثبوت خطئها وجرى تنفيذها، ستكون أحكاماً مباشرة بتسليم ضحايا حرية الرأي والتعبير مباشرة إلى جلاديهم، في بلد لا تحكمه اليوم إلا قوة الحديد والنار.

شهادات حية لأبرز أولئك الناشطين:

لؤي الباوي، ناشط عراقي من منظمي مظاهرات ستوكهولم، يحكي من واقع تجربته الشخصية، ما وصفه بـالحيلة التي جرى من خلالها الحصول على أسماء أبرز الشباب المشاركين في تنظيم المظاهرات وما ترتب عليها لاحقاً من تهديدات واعتداءات، قائلاً: “في الحادي عشر من أكتوبر/تشرين الأول سنة 2019، ختمنا سلسلة من التظاهرات المؤيدة لاحتجاجات العراق ذاك الشهر، بوقفة حاشدة أمام مبنى مجلس النواب السويديريكسداغ“.

كانت أذرع الميليشيات العراقية وخلاياها النائمة قد تعرفت بالفعل على أسماء كثير من ناشطينا في السويد، إثر مراقبة منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، سوى أن عديدين فضلوا الاحتفاظ بسرية حراكهم، حرصاً على سلامة أقاربنا الذين يقيمون في العراق. إلى أن حل موعد الوقفة المذكورة.

يومها، جاء إلى مجموعتنا شخص عراقي، يدعي أنه مبعوث من طرف زميلنا يوسف الكيلاني. الذي يطلب منا إعداد قائمة بأسمائنا وأرقام هواتفنا، حتى يتسنى له التواصل معنا مستقبلاً بغرض التنسيق لمظاهرات أخرى.

بعد أن أعددنا القائمة للرجل وانصرف بها، فوجئنا بيوسف يحضر إلينا تالياً ويسألنا إعداد قائمة بأسمائنا لتسليمها إلى قوة الشرطة التي تؤمن المكان بصفتنا منظمي الاعتصام ومشرفيه. أخبرناه بدهشة أننا قد أرسلنا له ما أراد فعلاً مع الشخص الذي أرسله منذ قليل، لكنه أجابنا أنه لم يرسل لنا أحداً أو يستلم أية قوائم. هكذا أدركنا أن في الأمر شيئاً ما خطأ.

وبالفعل، لم تكد تمضي على الحادثة شهرين تقريباً، حتى صدرت قوائم المطلوب بأسمائنا تماماً كما دونَّاها، لتشن على إثرها مباشرة، حملة هجمات وتهديدات شرسة، عبر صفحاتنا الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، لا تنفك تصفنا بالمجموعاتالجوكريةوالدواعش والبعثيينإلخ، كما شملت وعيداً صريحاً بإيذاء عوائلنا واغتصاب نسائنا في العراق، مع التأكيد دائماً أنهم على معرفة تامة بجميع عناوين بيوتنا هناك.

عندما أبلغت مسؤول قضيتي في مصلحة الهجرة حول الأمر راجياً مساعدته، أخبرني صراحة أنه كان ينبغي علي مغادرة الأراضي السويدية والعودة إلى العراق بمجرد اتخاذه فيما سبق قراراً نهائياً يقضي بترحيلي، لأن مشاكلي لم تعد من اختصاص الهجرة منذ تاريخ صدوره، فلما سألته مستنكراً عما إذا كان على استعداد لتوقيع وثيقة يتحمل بها مسؤولية أي ضرر قد أتعرض له لحظة وصولي إلى مطار بغداد جراء قراره هذا، صمت ولم ينبس ببنت شفة“.

الباوي في معرض حديثه، وضح مدى جدية تلك التهديدات، التي بلغت بعض الأحيان، حد الاعتداء الجسدي، كما جرى مع أحد رفاقه المقربين، قائلاً: “إسلام أوسامكما اعتدنا أن نطلق عليه، شاب ناشط في مجموعتنا، ورد اسمه أيضاً على قوائم الموت. وضع العام الماضي منشوراً عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، يعلن فيه بحثه عن شقة للإيجار بمدينة ستوكهولم. بعد أيام قلائل، اتصلت فيه فتاة ما بلكنة عراقية، لتبلغه أنها تملك شقة للإيجار تطابق مواصفاته المطلوبة، ثم زودته بعنوانها واتفقت معه على لقاء قريب لمعاينتها.

في موعد اللقاء، مضى إسلام إلى العنوان المحدد وطرق باب الشقة، ففوجئ بأربع أو خمس شبان أصحاء يخرجون منها ويسحبونه عنوة من ملابسه إلى الشارع، ثم ينهالون عليه معاً بضرب المبرح، مصحوباً بأقذع أنواع السباب والشتائم، إلى جانب حفنة من الاتهامات المعهودة بالخيانة والعمالة وغيرها، مسببين له كدمات كثيرة في مختلف أنحاء جسده. ما اضطر الشرطة السويدية لاحقاً، بعد درايتها بخلفيات الحادثة، إلى نقل محل سكنه لمكان غير معلوم ووضعه تحت مراقبتها“.

من بين الأسماء الموجودة على قوائم الموت كذلك، مصطفى عبد الستار الجواري وهو ناشط أخر من نفس الحراك، يصف نتائج محاولاته لإبلاغ أجهزة الدولة المختلفة عن التهديدات ومرسليها، مباشرة عقب حادثة الاعتداء على إسلام، فيقول: “ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها الناشطون العراقيون للمضايقات أو تصلهم تهديدات بالقتل أو توضع أسمائهم على قوائم مطلوبين، فكثير ممن تم اغتيالهم داخل العراق، كانوا قد صرحوا قبلها للسلطات أنهم يتعرضون للمضايقات من بعض الفصائل المسلحة. لذا تقدمنا آنذاك بشكوى عاجلة إلى جهاز الاستخبارات السويديةسابو، فأجابوا أنهم لا يملكون التصرف إزاء ذلك إلا في حال تعرض أحدنا لاعتداء الجسدي، كما وقع مع إسلام، أو توجيه اتهام إلى شخص بعينه داخل السويد.

مبررين أن إرسال تهديدات للاجئين المعارضين هنا شيء معتاد ولا يعني بالضرورة وجود خطر حقيقي عليهم، لا سيما أن مئات المعارضين الكبار موجودون في مختلف دول أوروبا حالياً ولمس تمس شعرة واحدة من رؤوسهم.

أما مصلحة الهجرة، فاعتبرت بدورها أن حادثة ضرب إسلام شخصية ولا يمكن النظر في قضايانا إلا بشكل منفرد. كما أبلغتنا أن قوائم الموت ليست صادرة عن جهة حكومية عراقية رسمية، لذا فإنها تحتمل الصدق والكذب بنفس النسبة ولا يمكن التثبت من عدم تزويرها، بهدف نسبها إلى جهة معينة.

هكذا، أدركنا أننا نقف وحدنا تماماً وظهورنا مكشوفة للخطر، نتيجة لمسنا عدم جدية التعاطي مع مشكلتنا من قبل جميع مؤسسات الدولة السويدية المختصة“.

بدورها الناشطة الحقوقية العراقية، هديل المهداوي، كانت إحدى أوائل الذين دعوا لاحتجاجات ستوكهولم وألقت خطاباً حماسياً في الحاضرين أمام الـريكسداغ، كما نشرت عبر صفحتها الشخصية على فيسبوك صوراً ومقاطع فيديو عديدة لها من وسط التظاهرات والمسيرات التي شاركت بها، دعت من خلالها أبناء الجالية العراقية في السويد، خاصة النساء، إلى النزول والمشاركة للمطالبة بتغيير الحكومة والدستور والتضامن مع المتظاهرين في العراق ونبذالديكتاتورية والطائفية ووقف التدخلات الخارجية بسياسات الدولة، على حد قولها، فضلاً عن تنظيمها حملات جمع تبرعات مالية داعمة للمتظاهرين العراقيين في ساحة التحرير.

الناشطة الحقوقية العراقية، هديل المهداوي

المهداوي كانت أيضاً من بين أوائل الأسماء التي وردت على قوائم الموت. حيث نشرت في الحادي والثلاثين من ديسمبر/كانون الأول سنة 2019، صوراً لتلك القوائم مع سؤال تهكمي عن هوية عصائب أهل الحق الذين يهددون الناس في مجتمعات آمنة. تروي المهداوي بنفسها، ما عايشته من تداعيات هذه القضية، فتقول: “لقد كنت أول الداعين إلى تنظيم احتجاجات ستوكهولم، حتى أنني استخرجت 3 من تصريحاتها باسمي.

في وقفتنا الاحتجاجية الأولى أمام مجلس النواب حضر أكثر من 4000 شخص، بينهم أبرز الناشطين العراقيين المقيمين بالسويد، إلا أن انقطاع الإنترنت عن العراق آنذاك، مع الأسف، حال دون علم المتظاهرين هناك بهذا الحراك التضامني الضخم، ما جعلهم يوجهون لنا اللوم ويصفوننا بالمتخاذلين الذين أنستهم رفاهية أوروبا قضايا وطنهم. فنظمنا رداً على ذلك، وقفة احتجاجية ثانية في نفس المكان، ثم تبعناها بمسيرة حاشدة وسط العاصمة، لا تفصل بينهما إلا أياماً قليلة.

لقدلاحظت أثناء الحراك ،وجو دبعض الأشخاص المثيرين للريبة. منهم على سبيل المثال، شخص لم ينفك يحوم حول أفراد مجموعتنا حاملاً في يده جسماً صغيراً، أغلب ظني أنه كاميرا، فلما سألناه عن سبب وجوده مادام لا يظهر نية بالمشاركة، ادعى أنه ركن سيارته قربنا ويخشى عليها من تزاحم الناس.

كما كان هناك شاب طويل القامة ذو أصول فارسية راح يراقبنا ويدقق في وجوهنا بطريقة غير عفوية، دفعتني إلى إبلاغ شرطة حماية المظاهرة عنه، لكنني فوجئت به يلحقني ويحاول الاستفسار من الشرطة عما قلته عنه، ثم لما لم يلق منهم تجاوباً، اتجه نحوي ليخبرني أن علي التحدث إليه أولاً إذا كانت عندي مشكلة معه، لأنه موجود هنا فقط من أجل خدمتنا في أي أمر يخص المظاهرة، حسب ادعاءه.

لاحقاً، علمت عبرنيوز تايمأن أطرافاً عراقية موالية للحكومة بدأت تمارس انتهاكات ضد الناشطين والمعارضين بالخارج. بعد هذا مباشرة، أبلغني أحد زملائي الناشطين في مدينة يوتوبوري بقصة إدراج اسمي ضمن قوائم مطلوبين صادرة عن حركة تتبع لواء الحشد الشعبي، تدعى عصائب أهل الحق.

هكذا شرعت تصلني تهديدات مختلفة وعديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي كما حدث مع بقية من شاركوا في الحراك. فأبلغت الاستخبارات السويدية بالأمر مقدمة كل ما أحوزه من صور لحسابات المهددين وتعليقاتهم. لكن التهديدات لم تتوقف، فكان من أبرزها أنني سأتلقى دعوة قريبة إلى السفارة العراقية أو الإيرانية، في إشارة واضحة أن نهايتي ستكون مشابهة لنهاية الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

لذا توجهت في المرة التالية إلى مركز شرطة ستوكهولم مقدمة شكوى رسمية، بصفتي مواطنة تحمل الجنسية السويدية وتنشد الحماية من حكومتها. حينها حذرني محقق الشرطة من مغبة دخول مقر السفارة العراقية لأي سبب، مؤكداً أنهم لن يكونوا قادرين على حمايتي بمجرد أن أخطو داخلها مسافة معينة. ثم أوصاني ضابط أخر أعلى رتبة أن أداوم على كتابة يومياتي ليطلعوا عليها في حال اختفائي وزودني بالبريد الإلكتروني الخاص لوزيرة الخارجية شخصياً، لأتواصل معها، كون مشكلتي باتت ضمن اختصاصاتها، باعتباري أتعرض داخل بلدي إلى خطر قادم من دولة أجنبية. ففعلت كما أشار وقدمت لها لاحقاً كل المعلومات التي طلبتها.

في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، وصلني تهديد أخر على منشور خصصته من أجل جمع تبرعات مالية لصالح متظاهري ساحة التحرير، مفاده: أنني لن أعيش حتى موعد تسليمها. جاء تزامناً مع احتجاجاتنا الرافضة لحضور مستشار رئيس الوزراء لشؤون المرأة وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب العراقي السابق حنان فتلاوي إلى السويد. ما جعل الشرطة تخصص سيارة حراسة تراقبني طيلة أسبوع التظاهرات.

بعد مدة، اتصل بي ضابط استخبارات من أمن المظاهرات للاطمئنان عن أحوالي، ثم أبلغني لدى إشارتي إلى قوائم مطلوبي حركة عصائب أهل الحق، أنهم لن يكونوا على قادرين على إيذائي ما دمت داخل السويد. كما فهمت من مجمل حديثه أن اسمي حالياً تحت المراقبة.

في الأسبوع التالي، بعثت لي الاستخبارات رسالة يبلغوني عبرها أنهم لم يجدوا ما يشكل خطراً على حياتي حالياً، لا سيما أن الفتلاوي ليست داخل البلاد وعلي الاتصال بهم إذا ما طرأ  أمر جديد في القضية“.

وتضيف: “لقد علمت من بعض أصدقائي الناشطين الحاملين للجنسية الكندية، الواردة أسمائهم على قوائم الموت، أن الحكومة الكندية قامت على خلفية بلاغات مشابهة منهم، بتوجيه تحذير شديد اللهجة إلى نظيرتها العراقية، يحملها كامل العواقب المترتبة على أية اعتداءات تنفذ في حق أحد أولئك الناشطين. وإنني لأرجو أن تسارع الحكومة السويدية إلى القيام بالمثل، سواء لحماية حاملي جنسيتها أو طالبي حق اللجوء على أراضيها“.

المهداوي كانت أيضاً قد أعلنت سابقاً على صفحتها، في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني سنة العام الماضي، عن اختطاف مجموعة مسلحة مجهولة في بغداد لابنة عشيرتها، الناشطة صبا المهداوي، أثناء عودتها من ساحة التحرير.

لدى سؤالها عن هذه الحادثة، تقول: “تعد صبا المهداوي أول ناشطة أنثى يجري اعتقالها بتظاهرات العراق الماضية. كان الهدف من خطفها آنذاك محاولة يائسة لإرهاب الناس وثنيهم عن المشاركة في الاحتجاجات خوفاً على أعراضهم. عندما علمت بالخبر، اتصلت فوراً في شقيقها الذي أخبرني أن برنامج التتبع الموجود على هاتفها، يشير إلى كونها محتجزة داخل إحدى مقرات حركة عصائب أهل الحق. لذا طلبت عون ناشطة عراقية أخرى أعرفها، تربطها صلات وطيدة بمنظمة العفو الدولية، التي كانت تسعى وقت الحادثة للإفراج عن عدد من المعتقلين السياسيين في سجون النظام العراقي، أملاً بإعادتها إلى ذويها. سوى أن اعتقالها تحول سريعاً لقضية رأي عام، ما جعل سجانيها يطلقون سراحها رغماً عن أنوفهم خلال أقل من أسبوع، حرصاً على عدم زيادة تأجيج غضب الشارع العراقي ضدهم“.

تقرير الصحفي : عمر سويدان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى