أربدك-Arbdk

تهجير سكان “الغيتوهات”: إدماج قسري للمهاجرين في الدنمارك


(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

بعد 10 أعوام على انتقاله من مجمع غيلروب باركن بضاحية برابراند، في آرهوس وسط الدنمارك، وجد الدنماركي من أصل فلسطيني محمود نصري أن انتقال أسرته من مكان ولادته المصنف من قبل الحكومة باعتباره ضمن قائمة “الغيتو”، ساعده بشكل أفضل في بناء مستقبله المهني، عما كان يمكن أن يكون عليه حاله، لو استمر في العيش من دون أفق، خصوصا بعد إغلاق مدرسته “نورغورد سكول” التي بلغت نسبة أطفال المهاجرين فيها 95 في المائة من إجمالي التلاميذ في أغسطس/آب 2008 بقرار من قبل المجلس البلدي، بسبب تردي مستواها التعليمي.


اليوم يرتاد نصري كلية النخبة للأعمال التجارية في جامعة آرهوس بعد انتقال أسرته من المجمع السكني المبني قبل نحو 6 عقود ووقتها كان من المخطط أن يكون جاذبا للأسر الدنماركية عبر شققه الواسعة بشرفات ونوافذ كبيرة، إلى جانب بنية تحتية متكاملة تعليمية وترفيهية وتسوقية، وتأمين مواصلات مريحة، لكنه أصبح ملاذا للمهاجرين منذ بداية التسعينيات كما يقول لـ”العربي الجديد”. 



ويعد مجمع غيلروب الذي يقطن فيه 6 آلاف نسمة وتنوي الحكومة هدمه واحدا من 14 مجمعا مصنفا ضمن قائمة “الغيتو”، ويقطنها جميعا 55 ألف نسمة، أغلبها يقع على أطراف المدن، الكبيرة ومتوسطة الحجم، وفي أطراف المدن الصغيرة كما هو الحال في مجمع أغرفانغ بـ”هولبيك” خارج كوبنهاغن التي يقيم فيه 1400 شخص بحسب الموقع الرسمي للحكومة الدنماركية. وتسعي حكومة يمين الوسط الدنماركية، بدعم من اليمين المتشدد إلى تنفيذ سياستها بـ”منع المجتمعات الموازية” التي تبنتها في 2017، من خلال تشديد إجراءات تلقي إعانة العاطلين من العمل المالية، بشكل يصعب من الاستمرار في السكن ضمن تلك التجمعات التي يتم منع انتقال أي متلق للاعانة الشهرية إليها وفق ما تؤكده مصادر التحقيق.




(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

 نشأة الغيتو في الدنمارك 


يعود استخدام تسمية “غيتو” إلى مدينة البندقية الإيطالية (نسبة إلى مسبك أو مصب الحديد بالإيطالية GETTO) ومنذ بداية عام 1500، تصف الكلمة إجبار اليهود في المجتمعات المسيحية، وخصوصا الكاثوليكية في البداية، على العيش ضمن أحياء محددة ومغلقة الأبواب ليلا بحسب توضيح أستاذ التاريخ في جامعة آرهوس، نيكولاي بيترسن، والذي قال لـ”العربي الجديد”، “التسمية في الدنمارك مرتبطة بحالة ثقافية لغوية، وموقف رسمي حكومي، وليست مرتبطة بالعنصرية والتمييز اللذين سادا تلك الحقبة الغربية”، وانطلق تصنيف المعازل أو الغيتوهات في الدنمارك منذ عام 1880 لوصف الأحياء التي سكنها مهاجرون يهود من أوروبا الشرقية، واستمر التعريف حتى الحرب العالمية الأولى وفقا للناشط اليساري المعارض لتوزيع السكان إجباريا، جون غرسغين.





 ويحدد الموقع الرسمي للحكومة الدنماركية مواصفات “الغيتو” بأنه ما سجل فيه خلال آخر عامين نسبة 40 في المائة من السكان بين سن 18عاما و64 عاما خارج سوق العمل أو التحصيل العلمي، و50% أو أكثر من المهاجرين أو المنحدرين من أصول مهاجرة غير غربية (من الدول النامية، عربية ومسلمة)، و 2.70% ممن هم فوق الـ 18 عاما وحكموا بمخالفة قانون العقوبات، حمل سلاح واتجار بالمخدرات وغيرها من الجرائم، و50 % أو أكثر بين 30 عاما 59 سنة لم يحصلوا سوى على التعليم الأساسي، كما أنه إذا كان السكان بين 15عاما و64 سنة غير ملتحقين بالدراسة أو متوسط دخلهم الاجمالي أقل من 55 في المائة من متوسط دخل سكان المحافظة فإنهم يدخلون ضمن هذا التصنيف. قرار إزالة مجمع فولسموسة جدد رئيس الوزراء الدنماركي، لارس لوكا راسموسن، ووزيرة الهجرة أنغا ستويبرغ، 



في افتتاح الدورة التشريعية الجديدة للبرلمان الدنماركي في 2 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، التأكيد على مضي الحكومة في مشروع إنهاء حالة المجتمعات الموازية في البلد، ويعد مجمع فولسموسه بمدينة أودنسه وسط جنوب الدنمارك، الذي يضم نحو 9 آلاف قاطن من أكبر المجمعات المصنفة ضمن قائمة الغيتو، وتنوي الحكومة الدنماركية هدمه، بقرار اتخذته في الأول من سبتمبر/أيلول الماضي، على أن يتم نقل الآلاف خلال سنوات قليلة قادمة وفق الموقع الرسمي للحكومة الدنماركية. 




(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});



وجاء انتهاج سياسة الإزالة نتيجة معايير جديدة تبنتها الحكومة الدنماركية في 2010 من أجل خلق سياسة اندماج تمنع قيام، أو استمرار مجتمعات الهامش الموازية بحسب الموجه الاجتماعي والثقافي في بلدية آرهوس، موينز مونستروب، الذي يرى في سياسة الحكومة تلك، خيارا جيدا للاندماج، موضحا بالقول: “الخروج من معازل الهامش سيفرض على المجتمع مواجهة وجود آخرين بينهم، بأسماء وألوان وخلفيات أخرى، أما البقاء هكذا على فرضية نحن وهم فلا يفيد أبدا في مستقبل الطرفين”، ويتفق أستاذ الاجتماع في مدارس آرهوس، (الذي درس أطفال المهاجرين لسنوات)، كارستن فلداماير مع الرأي السابق قائلا لـ”العربي الجديد”: للمشروع إيجابيات، وبحسب تجربتي فإن الأولوية هي لإنقاذ هؤلاء اليافعين من حياة أشبه بعزلة على هامش المجتمع”.



الأمر الذي يراه الدنماركي من أصل عربي كمال محمد قرارا صائبا، “إذ انتقل تلقائيا من تجمع يضم مهاجرين، ونقل أولاده إلى مدرسة أخرى، الأمر الذي انعكس بتحسن لغتهم وباتوا اليوم طموحين ويشقون طريقهم بقوة نحو أكبر الجامعات، بعكس وضعهم في مسكنهم القديم حيث كانوا يتصرفون وكأنهم يعيشون في لبنان” حسب قوله. وعاش العشريني ياسر مرعي وصديقه العشريني أيضاً محمد عبدي غيلان، في ضاحية فولسموسه منذ سن المراهقة، ما عاشه محمود نصري قبل انتقال أسرته كما أكدا لـ”العربي الجديد”. 



ويقول غيلان: “لم يكن أمامنا من خيار سوى أن نكون ضمن مجموعة شبابية معينة، حيث لا قيمة للقانون ولا اهتمام بالتحصيل العلمي، فقد كنا نقول، ماذا سنستفيد من الدراسة إن كانت الوظيفة هي لكريستيان (اسم دنماركي، كإشارة على مشاعر التمييز التي عاشها جيلهما)”. تهجير الناس بالإجبار يرى الناشط وعضو قيادة حزب اللائحة الموحدة اليساري جون غراوسغورد، والذي يقود حملات منع “تهجير الناس بالإجبار”، تمييزا واضحا وإضعافا للفئة الأكثر هشاشة في المجتمع الدنماركي كما يقول لـ”العربي الجديد”، ويتفق معه الناشط الصومالي في بلدية آرهوس خالد شيخ أحمد، مبررا موقفه بالقول: “لا شيء يضمن لهؤلاء الذين يجري إجبارهم على الانتقال أن يقبلوا في محيطهم الدنماركي الجديد الذي يفترض أن يتم نقلهم إليه أصلا”. وترى بيرغيتا نروغورد، من حركة “أوقفوا النقل الإجباري”، التي تشمل آرهوس وأودنسه، أن سياسة البلديات “المستندة إلى فلسفة أن تحسين الضواحي عمرانيا، ورفع أجرة السكن، محفز لجذب قاطنين جدد من الغيتو إلى جانب قاطنين من أصحاب القدرات الأعلى، غير مصيبة، قائلة: “أنت بحاجة قبل كل هذا لتُشعر الأجيال أنهم جزء من المجتمع بغض النظر عن الاسم واللون، لا أن تشعرهم أنك تنقل أطفالك من مدرستهم بسببهم”، مشيرة إلى أن تلك الحلول بما فيها نقل السكان ليست سوى إعادة تدوير للمشكلة. 




(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

لكن البرلماني الدنماركي من أصل عربي، ناصر خضر يرى ضرورة تطبيق سياسة توزيع السكان، قائلا “لا نريد أن نصبح أمام جيل يعيش خارج المجتمع، ولا يشعر أنه جزء منه”، مضيفا أنه من الأفضل أن يكبر النشء على فكرة أنه جزء أساسي من المجتمع، بدل العيش في عقلية الانعزال، وهذا يتطلب جهودا مجتمعية وحتى أسرية ذاتية تبحث عن مصلحة الأطفال بإجادة اللغة واستكمال التعليم، ولا يكفي أن تحمل العنصرية والتمييز مسؤولية ما يجري، بل بالانتقال وسط المجتمع سيكون هؤلاء جزءا منه ولديهم آمال في مستقبل أفضل ينهي معه كل السلبيات المتراكمة. 


حوافز للإدماج تعمل شركة السكن المكلفة بتحسين ضاحية غيلروب (مصنفة رسميا على قوائم الحكومة بـ “الغيتو”) في برابراند ببلدية آرهوس، على إنقاص أعداد القاطنين العاطلين من العمل، عبر عرض حافز مالي يصل إلى نحو 55 ألف كرونه دنماركي (8360 دولارا أميركيا) لمساعدتهم على تكاليف الانتقال إلى مسكن جديد بعيدا عن تلك التجمعات السكنية، ومنها دفع مبلغ تأمين بقيمة 3 أشهر أجرة مسكن جديد، وتأهيل الشقة، ولم تدعم الحكومة المواطنين في الانتقال إلى مساكن أخرى، لذا ذهبت شركة السكن في آرهوس إلى تحفيزهم بمساعدات مالية للانتقال، بعد أن أجرت دراسة وجدت أن تقديم نحو 55 ألف كرون لمساعدة المنتقلين أفضل لها ماديا من الاضطرار لهدم عماراتهم السكنية كما يقول كريستيان سورنسن الموظف في مكتب الإسكان في محافظة آرهوس ومسؤولون في البلدية بعدما أثارت تلك الخطوة جدلا ومعارضة من الناشطين والأحزاب اليسارية



كن أوسترغورد، عضو قيادة حزب اللائحة الموحدة، يحمل الحكومات الدنماركية المتعاقبة، مسؤولية نشوء سياسة إسكان سهلت انتقال لاجئين ومهاجرين في الثمانينيات والتسعينيات، إلى مناطق محددة، وخلق تكدس غير مترافق مع سياسات دمج واضحة تزيل الكثير من أسباب الشعور بالرفض لدى جيل اشتكى من التمييز، مضيفا أن غياب سياسة توظيف وتعليم واضحتين جعل الكثيرين يعيشون على مساعدات اجتماعية لسنوات، وحين أراد يمين الوسط إيجاد حلول، ذهب إلى سياسات تجميلية (في طبيعة المناطق المصنفة)، أو هدم وإزالة، كما في حالتي أودنسه وآرهوس، بدلا من البحث عن جذور المشكلة وحلها، وخصوصا في مسألة الاندماج ومكافحة الشعور بالتهميش والتمييز بحق الشباب



كوبنهاغن – ناصر السهلي
العربي الجديد


(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى