أخبار الدنمارك

ميلاد إسكندينافيا… طقوس تعود إلى زمن “الفايكنغ”

ميلاد إسكندينافيا... طقوس تعود إلى زمن "الفايكنغ"

تبقى لطقوس عيد الميلاد في الدول الإسكندينافية خصوصيتها، إذ تعود إلى عصر الفايكنغ. ولم يكن للاحتفالات أية علاقة بميلاد المسيح، ليتغير الأمر في وقت لاحق.

تتّفق غالبيّة شعوب الدول الإسكندينافية، ودول الشمال عموماً، على أن عيد الميلاد الذي يحتفلون فيه بشكله الحالي ليس في الواقع سوى امتداد لطقوس الأسلاف، منذ ما قبل تبني المسيحية كديانة لها. في اللّغة الإسكندينافية، يُطلق على عيد
الميلاد اسم “يول” (Jul أو Jól) كما لفظها الفايكنغ (أطلقت تسمية الفايكنغ على الشعوب التي جاءت من إسكندينافيا ما بين
القرن الثامن والقرن الحادي عشر، والتي تتألف اليوم من ثلاثة بلدان، وهي النرويج والدنمارك والسويد)، ونقلوها إلى الجزر
البريطانية. وسواء كنت في أوبسالا شمال عاصمة السويد استوكهولم، أو في مدينة آرهوس وسط غربي الدنمارك، فإن لفظ
“يول” يعيد الناس إلى أجدادهم “الفايكنغ”. بالنسبة إليهم، كما في التاريخ الحديث، تلتقي العائلات مساء 24 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام لتناول عشاء الميلاد وتبادل هدايا الميلاد. إلّا أن تاريخ “يول” لا يرتبط بالتدين، بل بعادات وثنية قديمة جداً.

أمّا شجرة الميلاد، فهي ليست في الواقع سوى تقليد حديث العهد، انتقل من ألمانيا تحديداً قبل نحو 200 سنة، لينتشر ويصبح تقليداً شعبياً بعدما كان حكراً على الطبقة الثرية، التي كانت تزينها بما هو مستورد وما ليس بمتناول فقراء شعوب
إسكندينافيا، كالسكر الذي كان حكراً على القصور والطبقات المخملية. وحتى ما يسمّى “يول ماند” أو “بابا نويل” أو”سانتا
كلوز”، والذي يشاع بين الأطفال أن موطنه في جزيرة غرينلاند الجليدية في المنطقة القطبية الشمالية، ليس أيضاً في التاريخ
المحلي سوى ظاهرة وتقليد تركي قدم من مهاجري إسكندينافيا إلى القارة الأميركية في بدايات 1800.

 

قرابين للآلهة

في القرون المتأخرة من التاريخ الحديث في أوروبا، كان الإسكندينافيون، وغالبيتهم مزارعون، يعتبرون البطاطس بمثابة المنقذ
من الفقر، الذي كانت نسبته كبيرة في النرويج والسويد في القرنين السابع والثامن عشر، حين هاجر مئات الآلاف إلى
الولايات المتحدة. كما أن عادات ذبح بعض الحيوانات لتناولها على موائد الميلاد، كالبط والأرانب والخراف، كانت تنتشر على
نطاق واسع في أرياف الدول الشمالية، قبل أن تنحسر وتتأثر بثقافات أخرى.

وترتبط التوابل التي وصلت إلى هذه البلدان عبر المبادلات التجارية مع العرب ومنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط أيام
الفايكنغ، من بينها القرفة والقرنفل والفلفل الأسود والهيل، بروائح ميلاد إسكندينافيا. كما أن التمور، وبشكل خاص “الرطب”،
باتت جزءاً من محتويات البيوت طيلة شهر ديسمبر/ كانون الأول من كل عام. حتى البرتقال، الذي لم يكن شائعاً في القرون
الوسطى، بات جزءاً من طقوس التحضر للميلاد، بل ويزين بالقرنفل على الموائد، ويخلط في الشراب الخاص بالميلاد
الإسكندينافي والمعروف باسم “غلوغ” (Gløgg) مع الكثير من القرفة.

وكانت مجتمعات النرويج والسويد والدنمارك ومعها جزر الفارو وغرينلاند وأيسلندا وفنلندا، تطلق على الميلاد اسم “يول”
باعتباره عيداً وثنياً احتفلت فيه تلك الشعوب منتصف فصل الشتاء. “يول” في لغة الشمال القديمة كانت تعني الاحتفالات، وهي في الأصل مرتبطة بديانات ومعتقدات قديمة جداً. وظلت منطقة الشمال، كما يعرفها ساكنوها الاسكندينافيون حتى
اليوم باسم “نوردن”، تؤمن بالإله “أودين”، وبعض الآلهة الأخرى. عرف الفايكنغ طقوس الميلاد أو “يول”، في منتصف شهر
ديسمبر/ كانون الأول ولثلاثة أسابيع متتالية، باعتبارها مناسبة تقديم “القرابين للآلهة”. وفيها، كانوا يقيمون احتفالات
ويشعلون النار في ظلمة أيام الشتاء ليذبحوا العجول وغيرها كقرابين لأجل “مزيد من الخصوبة” والحصاد الجيد والنهب الأفضل
في العام المقبل.

طقوس وثنية

علاقة الفايكنغ بالجزر البريطانية وما يسمى روسيا اليوم، والتي نشأت بالأصل من جراء تمدد قبائل وأمراء السويد وعموم دول الشمال حتى منطقة القوقاز، كانت وثيقة. وعلى الرغم من أن المسيحية توسعت إلى بريطانيا وغيرها، واستبدلت الطقوس الوثنية الشبيهة بما حمله الفايكنغ إليها، إلا أنهم في مناطق إسكندينافيا ظلوا يحافظون على طقوسهم، ورفضوا إلغاء الوثنية القديمة التي كانت تستبدل بـ “قداس عيد الميلاد” على يد الكهنة الذين عانوا كثيراً من نشر ديانتهم بين شعوب تلك المجتمعات.

وفي القرن العاشر، بدأت الطقوس الجديدة ربطاً بالدين الجديد. ورغم ذلك، ظلت الوثنية جزءاً أصيلاً من مزج الأساطير بالمسيحية. إذ إن ملوك وأمراء المناطق التي تشكل جغرافية الشمال تمسكوا بما يسمى “الملوك الثلاثة المقدسين” من خلال احتفالات تستمر 12 يوماً بدءاً من 25 ديسمبر/ كانون الأول وحتى 6 يناير/ كانون الثاني. وخلال الأيام الـ 12 تلك، وسميت أيضاً “Jule-freden” (سلام الميلاد)، كان لزاماً على الجميع الحفاظ على السلام واعتبارها مقدسة.

واجهت تقاليد وعادات الاسكندينافيين القديمة الكنيسة بمواقف معاندة لإدخال المسيحية، لأسباب تتعلق بطبيعة وإيمان هذه الشعوب بأساطيرها، وخصوصاً “الإله أودين”. وفي العصور الحديثة، استطاعت الكنيسة، بالتفاوض مع ملك النرويج هوكون في الفترة ما بين 935 و961، إدخال تعديلات تدريجية على الطقوس القديمة. وبدأت الاحتفالات المرتبطة بالانقلاب الشتوي ترتبط تدريجياً بولادة يسوع.

وفقط في القرن الثالث عشر، بدأت المجتمعات المنتمية إلى “الأنغلوسكسونية”، بما فيها الإسكندينافية، الدمج بين آلهة الشمال فراي ونورد وأودين، ويسوع ومريم العذراء. وحل الأخيران رويداً رويداً محل تلك الآلهة، مع بقاء بعض العادات الوثنية كصلوات وطقوس طلب عودة الشمس بعد فصل شتاء مظلم وبارد. وخلط أحفاد الفايكنغ، وخصوصاً خلال فترة حكم ملك الدنمارك هارالد بلوتوث  (958-986)، بين شرب نخب يسوع والإله “ثور” في الأساطير الإسكندينافية. وارتباط “ثور” بأعياد الميلاد النوردية القديمة والمسيحية في تلك المجتمعات الشمالية رافق طقوس تناول الميلاد المسيحي لقرون. وصمدت عادة الشراب، وخصوصاً البيرة، حتى الثمالة إلى بداية القرن العشرين، قبل أن يصبح عشاء الميلاد عائلي وأقل صخباً، وخصوصاً مع إغلاق الحانات ومعظم المقاهي والأماكن أبوابها أيام 24 و25 و26 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام.

 

ناصر السهيلي – العربي الجديد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى