أخبار الدنماركأربدك-Arbdk

فضيحة استخباراتية تهز الدنمارك.. تجسس وتسليم معلومات عن مواطنين لجهات خارجية

فضيحة استخباراتية تهز الدنمارك.. تجسس وتسليم معلومات عن مواطنين لجهات خارجية

تعيش الدنمارك، منذ أمس الاثنين، على وقع “فضيحة أمنية تاريخية”، حسب وصف الساسة والإعلام، تطاول جهازه الأمني القوي “الاستخبارات العسكرية”، المعروف اختصارا بـFE، بسبب تجاوز صلاحياته على مدى سنوات، بالتجسس وتسليم معلومات عن مواطنين لأجهزة استخبارات خارجية.

الجهاز الأمني العسكري منوط به العمل على “حماية مصالح وديمقراطية الدنمارك في الخارج”، أي أنه، ووفقا للقانون، لا يسمح للأمن العسكري بالتجسس على مواطني البلد، بغض النظر عن الخلفية طالما أن الشخص يحمل الجنسية، وهو الأمر الذي يبدو أنه تجاوزه.

وكانت المعلومات الأولية، مساء الاثنين، تشير إلى تجسس هاتفي وإلكتروني، ومد “أجهزة” خارجية بمعلومات، ومن بينها وكالة الأمن القومي الأميركية.




وكان المنشق الأميركي المقيم في روسيا، إدوارد سنودن، قد كشف سابقا عن وجود تعاون أمني دنماركي-أميركي بالتجسس على المواطنين. إلى أن بدأت المعلومات المعزّزة بالوثائق تتسرّب منذ الأمس من داخل الجهاز العسكري، لتكشف عن فضيحة مدوية.

وهذه الفضيحة، التي أطاحت على الفور أمس برئيس الجهاز خلال السنوات الخمس الماضية، لارس فيندسن، وثلاثة آخرين من قيادة الجهاز، لا تزال تتوسع، بحيث أعلن صباح اليوم الثلاثاء عن إعفاء الرئيس السابق للجهاز (حتى 2015)، والذي يشغل حاليا منصب مدير دائرة الأركان في وزارة الدفاع، توماس أرنكيل، ووقف تعيينه سفيرا لكوبنهاغن في برلين، حيث كان مقررا أن يباشر منصب السفير في الأول من سبتمبر/أيلول المقبل.

وتحولت القضية، التي كشف عنها في وسائل الإعلام، إلى قضية رأي عام، باعتبارها “رأس جبل جليد لأكبر فضيحة أمنية في تاريخ البلد الحديث”، بحسب عنوان صحيفة “إنفورماسيون”، والقنوات التلفزيونية المختلفة.

ووفقا للمعلومات الأولية، فقد جرى الكشف عما يجري خلف ستار الجهاز الأمني بفضل “تبليغ داخلي”، حيث جرى تسريب وثائق تتعلق بالتصرفات غير القانونية من قبل “أشخاص من داخل الجهاز” إلى مكتب وزيرة الدفاع ترينا برامسن (وزيرة دفاع مدنية من الاجتماعي الديمقراطي الحاكم)، والتي تصرفت على الفور بـ”إرسال رئيس الجهاز إلى بيته مع 3 من قياداته، ووقف عمل الرئيس السابق للجهاز الأمني”، بحسب ما صدر عن برامسن أمس، والتي يتبين أنها تلقت التقرير المسرب الجمعة الماضي.

وأثار الكشف الأولي عن تجسس الجهاز الأمني على مواطني الدولة ردود أفعال قانونية وسياسية، إذ عبر مدير مركز الأبحاث الحقوقية الدنماركي (جوستيتيا)، ياكوب مكانغاما، عن أنه “أخطر فعل في تاريخ دولة الدنمارك، حيث لم يقم الجهاز الأمني بالتجسس على المواطنين فقط، بل خرق القوانين لسنوات وأبقى المعلومات مخفية عن المشرعين والسياسيين، وحافظ على مناصب المخالفين، وحاول تقويض مراقبة عمله”.

وكان بيان صحافي صادر عن لجنة مراقبة الأجهزة الأمنية، تلقى “العربي الجديد” نسخة منه، أشار مساء الاثنين إلى مخالفات خطيرة “بعد مراجعة التسريبات وعمل الجهاز، وذلك بجمع معلومات عن مواطنين ومشاركتها مع أجهزة أجنبية”. وأضاف بيان “لجنة المراقبة” أنه بين الأعوام 2014 وحتى 2020 الحالي أخفى الجهاز، أثناء ترؤسه سابقا من قبل توماس أرنكيل، وحاليا من لارس فراندسن، معلومات عن لجنة المراقبة واللجنة القانونية في البرلمان.
وكانت لجنة المراقبة شُكلت في 2014 للإشراف على التزام الأجهزة الأمنية السرية بـ”دولة القانون وبالشفافية”، بعد أن تسربت أخبار عن “تعاون أمني ما” مع الأميركيين بدون علم المشرعين والسياسيين. واعتبر البيان الصحافي أن “ثقافة غير ملائمة تفشت في الاستخبارات تمنع المراقبة، وتحجب المعلومات عن السلطات الإشرافية”.



وعقب ياكوب مكانغاما على ما جاء في البيان الصحافي بالقول إنه “لم يجر فقط خرق القوانين بشكل منهجي، بل أيضا تحريف منظم للمعلومات أمام مستوى الإشراف السياسي، وهذا يعتبر أمرا خطيرا وفشلا لقيادة جهاز الاستخبارات العسكرية في متابعة ما يجري من تجسس داخل وزارة الدفاع على المواطنين (الجهاز الأمني يتبع وزارة الدفاع)”.

وزيرة الدفاع، ترينا برامسن، اعتبرت “الفضيحة مضرة بثقة الناس بأجهزة المخابرات في البلد”.

ويتضح من بعض التفاصيل أن جهاز الاستخبارات العسكري، المنوط به التجسس لمصلحة الدولة خارج البلد، تعاون مع الأميركيين بمده بمعلومات تجسس على مواطنين، والاستفادة من كابلات الألياف المتعلقة بحركة الدنماركيين على الإنترنت.

دولة داخل الدولة

وبما أن الجهاز الاستخباراتي العسكري هو جهاز خارجي، ويحظر عليه قانونيا جمع معلومات عن مواطني البلد، فإن مدير مركز “جوستيتيا” ياكوب مكانغاما يرى، في تصريحات نقلتها الصحافة المحلية صباح اليوم الثلاثاء، أن “الصورة التي تتضح معالمها الآن هي وجود عدد كبير من الأشخاص الذين تحايلوا عن قصد باتباع إستراتيجية خداع المستويين السياسي والرقابي”. ورأى مكانغاما أن “مقولة مبتذلة تُتداول عن أن أجهزة الاستخبارات يجب ألا تصبح دولة داخل الدولة، وهذا تماما ما يحدث هنا (في هذه القضية)”.

تجسس في الدنمارك-ناصر السهلي
الجهاز تجاوز صلاحياته على مدى سنوات (ناصر السهلي)
و بحسب ما تسرب صباح اليوم الثلاثاء، فإن الجهاز عمل على الأقل منذ 2014 على أنشطة تشير إلى مخالفة القوانين، “من خلال عمليات تتعلق بجمع معلومات عن المواطنين بشكل واسع، ومشاركة استخبارات خارجية فيها، وهو ما يعتبر خرقا أيضا لحقوق وخصوصية المواطنين، بل الأخطر أن يتجسس الجهاز على أعضاء لجنة المراقبة والإشراف على الأجهزة الأمنية لكشف ما إذا كانت تحقق في خروقاته”، بحسب مكانغاما.

ويتفق عدد من المشرعين المصابين بصدمة، من مختلف الاتجاهات السياسية، مع ما ذهب إليه مركز “جوستيتيا” في تأثير القضية على ثقة الناس بأجهزة الأمن في “البلد الديمقراطي، حيث يفترض حماية السيادة ودولة القانون، لا العمل بعكسهما بسرية وقسرية”.



وقد دعا مشرعون إلى “تحقيق شامل” بعمل أجهزة استخبارات الدنمارك، فـ”تلك ادعاءات مقلقة جدا وخطيرة حين تصدر عن مجتمع الاستخبارات، وخصوصا العسكرية، ولا يمكن أن تكون قضية أخطر من هذه”، بحسب ما ذهب رئيس لجنة الشؤون القانونية، بريبن بانغ هينركسن، عن حزب “فينسترا” الليبرالي المعارض، والذي شغل منصب نائب رئيس لجنة الاستخبارات والرقابة على عملها بين 2015 و2019.
وعبر عضو لجنة الرقابة والإشراف في البرلمان عن حزب الشعب الدنماركي، اليميني المتشدد، دينيس فلودكيير، عن رأيه بالقول إن ما يجري “فضيحة خطيرة وانحراف أخلاقي لدى القيادة الأمنية”. واعتبر فلودكيير أن ما يجري “يقتل (يدمر) الثقة حين يخفي الجهاز الأمني معلومات عن قصد”.

وأكد هذا المشرع أن رئيس الجهاز، لارس فيندسن، “يجب ألا يعود إلى منصبه، فالأمور تشير إلى وجود شيء خاطئ هنا، ويحتاج الجهاز إلى تبديل في قياداته”. وأشار أيضا إلى شبهة ما، “فقد كان رئيس الجهاز الحالي مدير إدارة في الأركان، ثم جرى تبادل قبعات بينه وبين السابق أرنكيل، حيث أصبح الأخير مدير إدارة الأركان ليحل فيندسن على رأس الجهاز.. ثمة شيء غير صحيح بالمطلق”.

وعلى المنوال ذاته، اعتبر حزب الشعب الاشتراكي (يسار) أن الفضيحة “تقوض الثقة بالأجهزة الأمنية في دولة القانون، فمن الجنون التجسس على مواطني البلد من الاستخبارات العسكرية وبمعرفة قيادة الجهازين السابق والحالي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى