فيتو الدنمارك يؤجل المشروع الأوروبي للحد الأدنى للأجور

فيتو الدنمارك يؤجل المشروع الأوروبي للحد الأدنى للأجور

واجه الاتحاد الأوروبي، أمس الإثنين، نكسة لمشروعه بتحديد الحد الأدنى للأجور،

بعدما أصرّت الدنمارك على موقفها الرافض لتدخل السياسيين في نموذجها

الاسكندنافي، المعتمد على “مفاوضات الأطراف” في تحديد أجرة ساعات العمل.

وكانت الدنمارك تشترك مع السويد في موقف موحّد ضد سياسة الحد الأدنى

للأجور، قبل أن تعدل الأخيرة موقفها.

وبرّرت وزيرة العمل السويدية إيفا نوردمارك تغيّر موقف بلادها باعتبار أنّ “الخيار

الأفضل لنا هو أن نجلس على طاولة المفاوضات بدل الوقوف على الهامش”.

وتؤكد استوكهولم، في محاولة طمأنة النقابات والموظفين، أنّ “نموذج قانون

الإحالة إلى البرلمان الأوروبي لتحديد سقف الأجور، لن يغيّر شيئاً في سياسات

الأجور السويدية”، بحسب ما أكدت الوزيرة نوردمارك.

وبعد انسحاب استوكهولم من معارضتها للقانون، بقيت الدنمارك والمجر تبديان

معارضة قوية، وإن اختلفت الأسباب بين البلد الاسكندنافي (الدنمارك) الذي يُجمع

فيه معسكرا اليسار واليمين على ترك تحديد أجور ساعات العمل وفق مفاوضات

الأطراف بين أرباب العمل والنقابات، والبلد الآخر المحكوم بتوجهات قومية

متشددة التي يخشى رئيس حكومتها المحافظ فيكتور أوربان، ومعه كتلة من

رأسماليي بلده، من التدخل لمصلحة اليد العاملة. 

وقال عضو البرلمان الأوروبي نيكولاي فيلومسن، لـ”العربي الجديد”، إنّ “المعارضة

الدنماركية لتحديد الحد الأدنى للأجور في تصويت الحكومات الأوروبية، أمس

الإثنين، وضعت كل المشروع الأوروبي في دائرة الخطر، بسبب الحاجة لإجماع قبيل

تحويل المشروع إلى البرلمان الأوروبي لتبنيه”.

على ماذا يقوم النموذج الاسكندنافي لتحديد الحد الأدنى للأجور؟

ويثير اختلاف النظام الاسكندنافي للأجور مع أنظمة بقية الدول الأوروبية جدلاً

واسعاً بين مؤيد ومعارض.

وفي كل من السويد والدنمارك والنرويج (ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي)،

وإلى حد بعيد في أيسلندا وفنلندا، يعتمد سوق العمل على ما تسمّى “مفاوضات

الأطراف”، أي أرباب العمل من جهة، والنقابات التي تمثّل مختلف قطاعات العمل

من جهة أخرى، في تحديد سقف الأجور، إذ لا شأن للسياسيين في الأجور وظروف

العمل التي تعتبرها النقابات إنجازاً تاريخياً للطبقات العاملة.

وعلى تلك الخلفية اعتبر الدنماركيون، بحسب ما أكد فيلومسن لـ”العربي الجديد”

من بروكسل، أنّ تدخل الاتحاد الأوروبي للحصول على تفويض مشترك من الدول

الأعضاء لتشريع يقرّه البرلمان الأوروبي، يعني “إعادة عقارب الساعة إلى الوراء”.

فمقترح ساسة بروكسل يأخذ بسقف السجالات الحادة في الدول الأعضاء حول

سقف الأجور، التي تراوح بين 7 و9 يورو للساعة، وهو ما يعتبر بنظر الدنماركيين

منخفضاً، ويضع المواطنين في صعوبات معيشية، بما يختلف عن النموذج

الاسكندنافي، والذي لا يقل فيه أدنى الأجور عن 14 يورو تقريباً (في بداية

التوظيف) عن كل ساعة عمل في المتوسط، هذا عدا عن أنها يمكن أن تتضاعف

لمرتين وثلاث مرات لدى أصحاب المؤهلات، ووفقاً لشروط تفاوض النقابات، وبما

يشبه اتفاقاً ضمنياً أو عرفاً بين الموظف وجهة التوظيف. 

ولا يمكن في الدول الاسكندنافية أن يتوظف الخريج الجديد على سبيل المثال دون أن يكون مسنوداً بعضوية نقابة تعبّر عن مصالحه، لذا من الممكن أن يمثل عضو نقابة الموظف الجديد، سواء كان خريجاً جديداً أو صاحب خبرة، على طاولة التفاوض حول الراتب، إذا شعر الموظف أنه يراد منحه أجرة أقل من غيره.

من جانبه، أكد وزير العمل بالوكالة في كوبنهاغن ماتياس تيسفاي (يسار وسط)، في تصريحات إعلامية، أنّ المكتسبات التي حققها نموذج سوق العمل “ناجحة ولا تحتاج لتدخل سياسي، وطالما بقي السياسيون بعيدين عن ذلك، دام النجاح الذي يؤمّن حياة مناسبة للمواطنين”.

لماذا تعارض الدنمارك مشروع القانون الأوروبي للحد الأدنى للأجور؟

تقود الدول الاسكندنافية مجتمعاتها بنظام “شبكة الأمان الاجتماعي”، ويقوم ذلك على ترك الحد الأدنى للأجور لمفاوضات السوق.

وفي الوقت عينه يعتمد نظامها الضريبي على اقتطاعات تصل في الدنمارك إلى نحو 43% في المتوسط، حيث يجري تمويل ما يسمى “دولة الرفاهية والرعاية” من هذه الاقتطاعات.

كما يُفرض على الأثرياء، أو أصحاب المداخيل المرتفعة، والتي تتجاوز متوسط 360 ألف كرونه سنوياً، ضريبة إضافية عن كل دخل إضافي، وتسمى “ضريبة القمة”.

وتموّل الضريبة المستقطعة شتى البنى التحتية للمجتمعات في السويد والدنمارك والنرويج إضافة إلى فنلندا وأيسلندا، ويشمل ذلك التدريس والاستشفاء، إذ يتلقى الأطباء رواتبهم من موازنات المحافظات وليس المراجعين، باستثناء أطباء التخصص، كالأسنان، بينما يتوجب على الأسر دفع تكاليف رعاية الصغار في الحضانات وروضات الأطفال، مع استقطاع على شكل دعم دوري ربع سنوي للأسر، بغض النظر عن حجم مدخولها، ويسمى ذلك “معونة الطفل”.

ما يخشاه الدنماركيون في معارضتهم هو تأثير التدخل الأوروبي على “دولة الرفاهية والرعاية” في بلدهم، والتي تشمل تأمين العاطلين من العمل براتب يصل إلى 90% من راتبه الأصلي حتى إيجاد عمل، وبسقف لا يتجاوز 9 أشهر، وإلا يُحال الشخص إلى العيش على المعونة الاجتماعية.

وتخطط كوبنهاغن في مسعاها لرفض أي فرض لسقف الأجور من عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسل، وبرلمان القارة في استراسبورغ، للذهاب بعيداً في تمسّكها بسياستها الوطنية لاستثنائها من التشريع.

وفي الوقت عينه أيضاً بإمكان التكتل الأوروبي رفع شكوى إلى محكمة العدل الأوروبية، والتي يحق لها النظر في تفسير تشريعات الاتحاد الأوروبي، وسبق لها أن حكمت بأحقية التشريعات على القوانين الوطنية. وعبّر وزير العمل بالوكالة في كوبنهاغن ماتياس تيسفاي عن خشيته من أنّ الضمانات السياسية التي طالبت بها بلاده “غير كافية”، ما جعلها تصطدم، أمس الإثنين، مع الاتحاد الأوروبي. 

مفاوضات جديدة حول قانون الحد الأدنى للأجور الأوروبي بعد فشل التصويت

ومن الجدير ذكره أنّ النمسا وألمانيا امتنعتا عن التصويت على تفويض إحالة الاتحاد الأوروبي مشروع قانون الحد الأدنى للأجور، إلى البرلمان الأوروبي. 

أما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، فقد أعلنت عن تأييدها لتبني الأوروبيين سياسة الحد الأدنى للجور، باعتباره “حلاً عادلاً لمشكلة انتشار الفقر بين 1 من كل 10 عمال في القارة”.

ورئيسة المفوضية تعرف ذلك من بلدها الأصلي ألمانيا، والتي تضم نحو 14 مليون فقير، وفيها سجالات حادة بسبب انخفاض أجرة ساعات العمل إلى ما بين 7 و8 يورو، بسبب تبرير الشركات أنّ ذلك يمنحها نجاحاً في منافسة الشركات الأوروبية والعالمية.

ومن المقرر أن تبدأ المفاوضات الجديدة حول القانون، الذي أُسقط، أمس الإثنين، بغياب الإجماع، مع بداية العام الجديد، وذلك مع تولّي فرنسا رئاسة الدورة المقبلة للاتحاد الأوروبي، حيث يتوقع أن تضغط باريس من أجل التوصل إلى حلول سريعة بهذا الشأن.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى